الغزالي

304

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

الجمال ما ترى ، أفمن الكبر هو ؟ فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا . ولكن الكبر من بطر الحق وغمط الناس » . أي ازدراهم واستحقرهم ، وهم عباد اللّه أمثاله أو خير منه . وقال وهب بن منبّه : لمّا قال موسى عليه السلام لفرعون : آمن ولك ملكك ، قال : حتى أشاور هامان . فشاور هامان ، فقال هامان : بينما أنت ربّ تعبد ، إذ أنت عبد تعبد . فاستنكف عن عبوديته ، وعن اتباع موسى ، فأغرقه اللّه . وقال نفر من قريش ، فيما أخبر اللّه عنهم : لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ « 1 » . قال قتادة : عظيم القريتين هو الوليد بن المغيرة ، وأبو مسعود الثقفي ، طلبوا من هو أعظم رياسة من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إذ قالوا : غلام يتيم كيف بعثه اللّه إلينا ؟ فقال تعالى : أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ « 2 » ثم أخبرهم اللّه عن تعجبهم حين دخلوا النار ، إذ لم يروا فيها الذين أزدروهم ، كأهل الصفة ، فقالوا : ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ « 3 » قيل : يعنون عمّارا ، وبلالا ، وصهيبا ، والمقداد رضي اللّه عنهم . قال وهب رضي اللّه عنه : العلم كالغيث ينزل من السماء حلوا صافيا فتشربه الأشجار بعروقها ، فتحوّله على قدر طعومها ، فيزداد المر مرارة والحلو حلاوة . فكذلك العلم يحفظه الرجال على قدر هممهم وأهوائهم ، فيزيد المتكبر كبرا والمتواضع تواضعا . وذلك لأن من كانت همته الكبر وهو جاهل ، فإذا حفظ العلم وجد ما يتكبّر به ، فازداد كبرا ، وإذا كان الرجل خائفا مع جهله ، فازداد علما ، علم أن الحجّة قد تأكّدت عليه ، فيزداد خوفا وإشفاقا وتواضعا . ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم فيما رواه العباس رضي اللّه عنه : « يكون قوم يقروؤن القرآن لا يجاوز حناجرهم . يقولون : قد قرأنا القرآن فمن أقرأ منا ؟ ومن أعلم منّا ؟ ثم التفت إلى أصحابه وقال : « أولئك منكم أيها الأمة ، أولئك هم وقود النار » .

--> ( 1 ) سورة الزخرف ، الآية : 31 . ( 2 ) سورة الزخرف ، الآية : 32 . ( 3 ) سورة ص ، الآية : 62 .